غضب عليهم أن يجمعوا حطبًا، فجمعوه وأوقدت فيه النار، فأمرهم أن يدخلوها، فأخبر النبي ﷺ أنهم لو أطاعوه ودخلوها لاتصلت لهم بنار جهنم؛ لأن هذا الأمر الذي أمرهم به الأمير منكر، والطاعة للأمراء إنما تكون في المعروف؛ لأن الأمراء غير معصومين؛ فقد ينطقون عن الهوى، فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لهم.
وفي هذا الحديث فائدة أخرى، وهي أن الشباب أكثر استفادة وفهمًا للدعوة من الشيوخ؛ لأن الشيوخ أرادوا أن يدخلوا النار فمنعهم الشاب، وقال: إن هذا الذي أمر به الأمير يمكن أن يكون من هوى نفسه ولا يرضى به النبي ﷺ، خصوصًا والرجل غضبان والغضب يشبه الجنون، فكان رأي الشاب صحيحًا موافقًا للحق فقد أقره النبي ﷺ. اهـ.
وقول ابن كثير في تفسير طاعة الله وطاعة الرسول أنهما (اتباع الكتاب والسنة) رد على من يحتج بأقوال غير المعصوم فيحلل بها ويحرم.
قال محمد تقي الدين ما قاله الحافظ (كـ) في رد كل نزاع إلى الكتاب والسنة واضح لا يحتاج إلى زيادة بيان فجزاه الله خيرًا. وقوله: كعب بن الأشرف هو قاضي اليهود في المدينة، وقوله: فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل.
قال محمد تقي الدين: فكل قوم حصروا التحاكم في مذهبهم وألزموا الحاكم أن لا يخرج عنه وإن كان مخالفًا للكتاب والسنة، أو لا دليل عليه منهما أو مما في معناهما، فهم متحاكمون إلى الطاغوت الذي أمروا أن يكفروا به، وقد أضلهم الشيطان ضلالًا بعيدًا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ الآية دليل قاطع على أن كل من دعي إلى كتاب الله وسنة رسوله للتحاكم أو العبادة أو التخلق أو التحليل والتحريم فلم يجب إلى ذلك أنه من المنافقين وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، ولا بد أن تصيبه المصائب ولا ترفع عنه إلا بالتوبة والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه المصيبة التي أصابت المسلمين عمومًا والعرب خصوصًا وهي أن شرذمة قليلة من يهود الآفاق استطاعت أن تغتصب ثالث المساجد المقدسة (١).
(١) هذا هو الصواب، وقوله: «ثالث الحرمين» المشهورة على الألسنة غير صواب، =