وقال أبو عمر بسنده إلى سحنون قال: «ما أدري ما هذا الرأي؟! سفكت به الدماء، واستُحِلَّت به الفروج، واستُحِقَّت به الحقوق، غير أنا رأينا رجلًا صالحًا فقلدناه» (١).
وقال سلمة بن شبيب: سمعت أحمد يقول: «رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله عندي رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار» (٢).
وقال أبو عمر بسنده (٣) إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه أنشد:
دينُ النبيِّ محمدٌ آثارُ … نِعْم المطيَّة للفتى الأخبارُ
لا ترغبن (٤) عن الحديث وأهله … فالرأي ليلٌ والحديثُ نَهَارُ
ولربما جَهل الفتى طُرُقَ الهدى … والشمس طالعة لها أنوار (٥)
ولبعض أهل العلم: العِلمُ قالَ اللهُ قالَ رَسولُهُ … قالَ الصَحابَةُ لَيسَ خُلْفٌ فيهِ
ما العِلمُ نَصبُكَ لِلخِلافِ سَفاهَةً … بَينَ النُصوصِ وَبَينَ رَأيِ سَفيهِ
كَلّا وَلا نَصْبُ الخِلافِ جَهالَةً … بَينَ الرَسولِ وَبَينَ رَأيِ فَقيهِ
كَلّا وَلا رَدُّ النُصوصِ تَعَمُّدًا … حَذَرًا مِنَ التَجسيمِ وَالتَّشبيهِ
حاشا النُصوصَ مِنَ الَّذي رُمِيَتْ بِهِ … مِنْ فِرقَةِ التَّعطيلِ وَالتَّمويهِ
[فصل في الرأي المحمود]
وهو أنواع:
النوع الأول: رأي أفقه الأمة وأبر الأمة قلوبًا وأعمقهم علمًا وأقلهم تكلفًا وأصحهم قُصُودًا وأكملهم فطرة وأتمهم إدراكًا وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وفهموا مقاصد الرسول، فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم
(١) أخرجه ابن عبد البر في «الجامع» (٢٠٨٢) بإسناد صحيح.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في «الجامع» (٢١٠٧) وإسناده صحيح.
(٣) هو في «الجامع» رقم (١٤٥٩).
(٤) في مطبوع «الإعلام»: «لا تخدعن».
(٥) الأبيات في «الجامع» (١٤٥٩) لابن عبد البر، ونسبها الخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (١١٣) لعبدة بن زياد الأصبهاني، وكان عبد الرحمن بن مهدي يتمثل بها، أخرج ذلك الهروي في «ذم الكلام» (٢/ ١٩٣ - ١٩٤) رقم (٣٤٧).