للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فوافقتهما عائشة، فحصل من ذلك ثلاثة أقوال: قول بالغسل بدون دليل قاطع، وقول بعدم الغسل بدون دليل، وقول بالغسل بدليل، فرجح عمر هذا القول وتوعد من خالفه أن يوجعه ضربًا، وفي هذا عبرة لمن يتجرأ على الإفتاء في دين الله بلا دليل أصلًا، بل بمجرد أن يرى الحكم في كتاب من كتب الفروع المظلمة فيقلدها ويفتي بما فيها، فما أبعده عن الصواب والتقليد جهل والإفتاء به حرام في دين الله.

السابعة: «قول أشهب: كنت عند مالك، فسئل عن البتة … » إلى آخره، يفهم منه أن مالكًا أفتى فيمن طلق امرأته البتة أنها حرمت عليه كما إذا طلقها ثلاثًا، فأراد أشهب أن يكتب تلك الفتوى، فنهاه مالك وقال: لا تكتب ذلك، فإنما هو رأي رأيته، ولعلي أرجع عنه في العشي، فأفتي بأنها طلقة واحدة».

قال محمد تقي الدين: والصواب أنها طلقة لقول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ يعني بعد التطليقة الثالثة وعن ابن عباس: «إن الطلاق بالثلاث كان يعد طلقة واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، فلما رأى عمر أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة أنجزه عليهم». رواه مسلم (١) وفعل عمر ليس بتشريع وإنما هو عقاب لمن خالف السنة ونطق بالطلاق الثلاث في لفظ واحد. وللإمام أن يعاقب رعيته بمنعهم من بعض المباحات، كالحبس في مكان والمنع من غيره أو النفي من البلد ومنعهم من السكنى فيه ونحو ذلك والله أعلم.

الثامنة: قوله: «ومثال ذلك رأي الصحابة في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض» مثال ذلك ما ذكره بعده مباشرة هلكت زوجة وتركت بعلها وأبويها، هذه مسألة عول تزاحمت فيها الفروض إذ لا يمكن اجتماع النصف والثلثين، وقد حلها الصحابة بطريقة العول (٢) فجعلوا للبعل النصف والنصف الباقي للأم منه الثلث، وما بقي فللأب. ومعنى العول في اللغة: الزيادة، والمسألة الثانية: أن يموت رجل ويترك زوجة وأبوين، فللزوجة الربع، وما بقي تأخذ منه الأم الثلث، وما بقي فللأب. اهـ.


(١) أخرجه مسلم (١٤٧٢) من حديث ابن عباس.
(٢) ليس في الميراث أن يكون الأب يرث الثلث، فيجتمع مع الأم بثلثين، بل هذه صورة (العمريتين)، وليست مثالًا على العول، بل على أخذ الأم ثلث ما بقي وهو (الفرض السابع) عند الجمهور.

<<  <  ج: ص:  >  >>