وقعت الهدنة واختلط المسلمون بالمشركين، فأثر المسلمون على المشركين، فأسلم كثير منهم، والإسلام يربح بالسلم أكثر مما يربح بالحرب، فهو لا يحارب إلا اضطرارًا!!
السادسة: قوله: «لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا»، إن المراد بقوله ذلك ما ذكره أكثر الصحابة من قولهم: لا غسل، أي: من أفتى بعدم الغسل عند الإكسال - وهو جماع الرجل امرأته مع عجزه عن الإنزال، أي: إتمام الجماع بخروج المني، أوعده عمر أن يوجعه ضربًا؛ لأن قول علي ومعاذ بوجوب الغسل هو الصواب؛ لأن عائشة وافقتهما، وهذا هو الأمر الأخير الذي أمر به النبي ﷺ، وفي أول الأمر كانوا لا يغتسلون إلا إذا خرج الماء اعتمادًا على ما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال:«إنما الماء من الماء»، رواه مسلم وأصله في «البخاري»(١)، وهذا الحديث منسوخ نسخه ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:«إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب الغسل». متفق عليه. زاد مسلم:«وإن لم ينزل»(٢).
قال محمد تقي الدين: رأينا في هذه الحكاية، أن عمر ﵁ لما سمع أن زيد بن ثابت يفتي بالغسل عند الإكسال دعاه وعاتبه على الإفتاء بالرأي، فحلف له بالله أنه ما أفتى إلا بما سمعه من أعمامه وهم ثلاثة من كبار الصحابة، فلما سأل عمر أحد هؤلاء الأعمام قال له: كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ولم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه عن رسول الله ﷺ شيء، فلم يقتنع عمر بهذا الجواب لأن هذا غايته عدم العلم بالحكم، فجمع عمر أهل بدر وسألهم فأجابوا بخلاف ما قاله الأعمام أن لا غسل، وقال علي ومعاذ: فيه الغسل،
= السياسي قد بلغ قريشًا، ولذلك تحولت قريش إلى الهدنة وبدأت فعلًا مفاوضاتها، وترتب على هذه الهدنة مع قوم يراعون العهود والمواثيق أن تفرغ النبي ﷺ الأعداء منطقة شمال المدينة (اليهود)، وكسرهم ودحرهم، هو نصرة للنبي ﷺ وصحبه، وهذا مستلزم ضرورة لفتح مكة، ولذا كان الفتح المبين الوارد في القرآن إنما هو مقدمة فتح مكة، وهو الحديبية، ومقدمة النصر نصر، ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] وذكر قصة الغار، وهي مقدمة لقدومه المدينة، وبها حصلت نصرة الله لدينه بنبيه وصحبه. (١) أخرجه مسلم (٣٤٣)، وأصله عند البخاري (١٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) أخرجه البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨، ٣٤٩) من حديث أبي هريرة، والزيادة لمسلم فقط.