= لأنه سيشيع بين العرب أن قريشًا تقتل في الحرم من أتى لتعظيم الكعبة، وأكبر بها من قولة! الاحتمال الثالث: أن تعرض قريش على الرسول الرجوع دون دخول مكة، وهو في هذه الحالة لن يعود إلا بشروط يرضاها، وستبذل له قريش ما يريد خوفًا من الوقوع في أحد الاحتمالين السابقين. وكيفما كان الأمر، وأي الاحتمالات الثلاثة قد وقع فهو في مصلحة الدولة الإسلامية إذا نظر إليه سياسيًا. ولذلك أعلن رسول الله أنه يريد أداء العمرة، وجمع الجموع وسار بهم إلى الحديبية، وحدث الاحتمال الثالث، وتمت معاهدة هدنة الحديبية على الشكل المعروف في السيرة بين قريش والدولة الإسلامية. ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة شهر رمضان وشوالًا، وخرج في ذي القعدة معتمرًا لا يريد حربًا، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا: أن يعرضوا له بحرب أن يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظمًا له. وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل (١)، وقد نزلوا بذي طوى (٢) يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الولد في خيلهم قد قدموها إلى كُراع الغميم (٣) فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يُظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (٤)». إن هذا التصريح السياسي لرسول الله ليدل على صواب تفسيرنا السياسي لهدنة الحديبية، وأن رسول الله لم يرد العمرة في الأصل - وإن أظهر ذلك - وإنما كان يريد الحصول على هدنة بينه وبين قريش تمكنه من التحرك العسكري المأمون، ولا نشك بأن هذا التصريح =