المشركين (١) من أهل مكة أملى على الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له المفاوض بالنيابة عن المشركين بل يكتب كما كنا نكتب باسمك اللهم، ولما قال النبي ﷺ للكاتب:«اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو». فقال سهيل:«لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن بيته، اكتب اسمك واسم أبيك. فرضي رسول الله ﷺ بكتابة باسمك اللهم» و «محمد بن عبد الله» ولم يرض عمر الله؛ لأنه رأى في ذلك ضعفًا أمام المشركين، ولم يكن ذلك ضعفًا وإنما حكمة وسياسة حسنة (٢)، كان لها أحسن الأثر فيما بعد، عندما
(١) سبق تخريجه. (٢) وبيانه: أنه بلغ رسول الله أن تحالفًا عسكريًا عقد بين قريش في جنوب المدينة المنورة، وخيبر في شمالها، والغاية من هذا التحالف جعل الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بين طرفي الكماشة، ثم إطباق فكيها عليها وإنهاء الوجود الإسلامي فيها. ولما لم يكن في مقدور رسول الله ﷺ كسر ذلك التحالف عسكريًا بالمواجهة المسلحة، فكر ﵊ بكسره سياسيًا، ولا بد من أن يكون قد جال في خاطر رسول الله ما يلي: الكعبة في نظر العرب قاطبة ليست ملكًا لقريش بل هي تراث أبيهم إسماعيل، ولهذا فليس من حق قريش أن تمنع من زياراتها من تشاء، وتجيز من تشاء. هذه حقيقة لا جدال فيها عند العرب ولا عند قريش نفسها. فمن حق محمد ﷺ وأصحابه إذن زيارة الكعبة، وفكر رسول الله ﷺ أنه إذا ما عزم على هذه الزيارة ومشى إليها، فلا بد من أن يُواجهه أحد ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: أن تمنعه قريش بالقوة من دخول مكة وزيارة الكعبة نظرًا لما بينها وبينه من الدماء. ولكن قريشًا لن تقدم على هذا التصرف لأمرين: أولهما: إن هذا سيثير حفيظة العرب ضد قريش؛ لأنها تمنع من يريد تعظيم الكعبة من تعظيمها، وإن أقدمت قريش على هذا العمل، فهو في صالح الدولة الإسلامية قطعًا، لأنه سيثير شقاقًا في الصف العربي المعادي للدولة الإسلامية، وقريش أعقل من أن تقدم على مثل هذا التصرف. وثانيهما: إن الدولة قد أكدت وجودها في الجزيرة العربية، وأوقعت الرعب في قلب القبائل العربية، وقريش تعلم هذا تمام العلم، ولذا فإنها لن تجازف بخوض حرب معها. الاحتمال الثاني: أن تسمح قريش لرسول الله وأصحابه دخول مكة، ولكن هذا أمر تأباه الكرامة العربية، إذ كيف يطأ القاتل أرض المقتول متمتعًا بحماية ذويه له؟!! وعلى فرض أن قريشًا تجاوزت ذلك كله وقبلت دخول محمد وأصحاب محمد، فمن يضمن أن لا تقع بعض الحوادث عندما يشاهد الرجل قاتل أبيه وأخيه ينعمان بالأمن والحرية أمامه؟! وإذا ما وقعت بعض هذه الحوادث فلن يكون ذلك في صالح قريش؛ =