وقد دعا النبي ﷺ على من أبى أن يأكل بيمينه بالشلل، فشلت يده (١)، وما كان النبي ﷺ ليدعو على من ترك مستحبا، كصلاة ركعتين بين الأذان والإقامة مثلا، بمثل هذا العقاب، وجاء الوعيد الشديد في عدم تسوية الصفوف (٢) وذلك يدل على وجوبها، فإذا قال أحد من المقلدين أو غيرهم ممن جاء بعد الصحابة في شيء من أمور الشريعة: هذه سنة أو هذا مستحب لا إثم على من تركه فطالبه بالدليل فإنه لا يجده فتقوم عليه الحجة.
الثالثة: قوله: «ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولو لم يكن كافيًا لم يأمر بالرد إليه»، كثير من المخالفين في هذا الزمان يقولون: إن الكتاب والسنة لا يكفيان للحكم في جميع المسائل التي تحدث في الأزمنة المتطاولة، وذلك غير صحيح، ولو كان صحيحًا لما أمرنا الله تعالى أن نرد كل نزاع في كل شيء إلى الله والرسول، وهو سبحانه عليم بكل ما سيحدث إلى يوم القيامة، وسيأتي تفصيل هذا المقصد فيما نقلته من كلام ابن القيم.
الرابعة: قوله: «ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم وأن عاقبته أحسن عاقبة». قال محمد تقي الدين: كل شعب أسعد الله أسلافه بالإسلام، فأعزهم بعد المذلة، وأغناهم بعد الفقر، وقواهم بعد الضعف، وجمع أمرهم بعد الشتات، فقامت عليهم حجة الله أعظم قيام، ثم تنكروا للإسلام، ونبذوا كتاب الله وسنة رسوله لا بد أن يصابوا بمصائب في عاجلهم وأجلهم في دنياهم وآخرتهم، كما قال تعالى بعد هذا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] وهذا مجرب واضح، فإن جميع البلدان الإسلامية التي ترك أهلها شريعة الرسول ﷺ في غاية ما يكون من الشقاء.
الخامسة: قول سهيل بن عمرو: «يكتب باسمك اللهم». اعلم أن العرب قبل الإسلام كانوا يفتحون الكتب بهذا اللفظ:«باسمك اللهم»، أي: باسمك يا الله نبتدئ كتابنا هذا، فلما جاء الإسلام كان النبي ﷺ يفتتح كتبه ببسم الله الرحمن الرحيم، فلما أراد النبي ﷺ إملاء كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين
(١) أخرجه مسلم (٢٠٢١)، وأحمد (٤/ ٤٥)، وابن حبان (١٤/ ٤٤٢)، والبيهقي (٧/ ٢٧٧) من حديث سلمة بن الأكوع. (٢) انظر طرفًا من الأحاديث الواردة في ذلك في كتابي: «القول المبين في أخطاء المصلين» (ص ٢٠٨ - ٢١٤).