الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بعث الله - وله الحمد والمنة - رسوله نوحًا فأمرهم (١) بعبادة الله وحده لا شريك له فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من عذاب يوم القيامة، إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به، ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا آباءنا عليها.
وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة كقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] إلى غير ذلك من الآيات: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ما أنا ضال، ولكن أنا رسول من رب العالمين، رب كل شيء ومليكه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغًا (٢) فصيحًا ناصحًا عالمًا بالله لا يدركه (٣) أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في «صحيح مسلم»(٤) أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عرفة - وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعًا -: «أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم، ويقول:«اللهم اشهد، اللهم اشهد»(٥).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: في هذا الباب فائدتان: الأولى: أن الغلو في قبور الصالحين يصيّرها أوثانًا تعبد من دون الله كما وقع لقوم نوح، ومن أعظم أسباب الشرك بالله الغلو في الأنبياء والصالحين والمبالغة في تعظيمهم، إلى أن يجعل لهم حق الله، وهو العبادة كما فعلت
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يأمرهم». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بليغًا». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يدركهم». (٤) برقم (١٢١٨) من حديث جابر. (٥) انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ٣٢٦) بتصرف يسير.