مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فهم يصلون فيه، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون (١) آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعًا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض لا يتعمدها» (٢).
وفي «مغازي بن إسحاق» من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار: حدثنا أبو العالية قال: «لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال (٣)، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض» (٤).
(١) في مطبوع «التيسير»: «يتتبعون». (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١١٨ - ١١٩) رقم (٢٧٣٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) في «مصنفيهما»، وسعيد بن منصور - كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٤) - وابن وضاح في «البدع» رقم (١٠٣، ١٠٤)، والطحاوي في «المشكل» (١٤/ ٣٩٧) من طرق عن الأعمش عن معرور بن سويد به. وسنده صحيح، ولفظ ابن أبي شيبة بنحو المذكور هنا، وأشار ابن حجر في «الفتح» (١/ ٥٦٩) إلى ثبوت هذه القصة، وعزاها ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ١٤٢) الإسماعيل بن محمد الصفار في «مسنده»، وقال عقبه: «هذا إسناد صحيح». (٣) دانيال: من سبط يهوذا، ويمتد نسبه إلى عائلة داود بن يسي، ومعنى اسمه في العبرية الله دياني أو قاضي عاش عصر المحنة الكبرى التي تعرض لها شعب يهوذا، وقد أسر في غزو بابل وله ذكر في بعض أسفار التوراة. انظر: «العهد القديم» (١٢٦٠)، «التراث الإسرائيلي» (٢١١)، «البداية والنهاية» (٢/ ٤٠). (٤) ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٤٠ - ٤٢)، وقال: «إسنادها صحيح إلى أبي العالية» وذكر لها طرقًا يظهر منها صحتها ولابن أبي الدنيا جزء مفرد في أخباره، لا أعلم عنه شيئًا ولعله مفقود، ولكن الأيام حبالى، ولا ندري ماذا تلد؟! وصحة إسناد أبي العالية لا تنهض للجزم بنبوته، فالسكوت أسلم، والله أعلم.