يحلب من رسلها، ويأخذ من زبيب الطائف والأقط فيجعل منه حيسًا ويطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات (١). وكان يقرأ: اللات، مشددة (٢)، رواه سعيد بن منصور والفاكهي.
قوله:«وكذا قال أبو الجوزاء» وأثر أبي الجوزاء رواه البخاري (٣)، والسبب في عبادة الصالحين ود وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وغيرهم اليوم فإنهم غلوا فيهم وبنوا على قبورهم القباب والمشاهد، وجعلوها ملاذًا لقضاء المآرب، وبالجملة فالغلو أصل الشرك في الأولين والآخرين إلى يوم القيامة، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة أوليائه وإنزالهم منازلهم من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، ونهانا عن الغلو فيهم فلا نرفعهم فوق منزلتهم ولا نحطهم منها؛ لما يعلمه تعالى في ذلك من الفساد العظيم، فما وقع الشرك إلا بسبب الغلو فيهم فإن الشرك بهم غلو فيهم، وأنزلوهم منازل الإلهية وعصوا أمرهم وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم، فتجد أكثر هؤلاء الغالين فيهم العاكفين على قبورهم معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته عائبين لها مشتغلين بقبورهم عما أمروا به ودعوا إليه.
وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما [هي](٤) باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم، دون عبادتهم وعبادة قبورهم والعكوف عليها، كالذين يعكفون على الأصنام واتخاذها (٥) مجامع للزيارات والفواحش وترك الصلوات، فإن من اقتفى آثارهم كان متسببًا في تكثير أجورهم باتباعه لهم ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر، فأي تعظيم (٦) واحترام في هذا؟ قال: وعن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ هـ زائرات القبور والمتخذين عليها
(١) أخرجه الفراء في معاني القرآن (٣/ ٩٧ - ٩٨)، وابن جرير (٢٢/ ٤٧ - ٤٨)، وعزاه في «الدر» (٦/ ١٢٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) قرأها مجاهد وجماعة بتشديد التاء مع المدّ للساكنين انظر: «معاني القرآن» (٥/ ٧٢ - ٧٣) للزجاج و (٣/ ٩٧ - ٩٨) للفراء و إيضاح الوقف والابتداء (٢٩٥ - ٢٩٦)، و «معجم القراءات» (٩/ ١٨٤ - ١٨٥)، وقسم (التفسير) من «سنن سعيد بن منصور» ناقص، وليس فيه هذا الأثر، وكذا «أخبار مكة» للفاكهي. (٣) سبق تخريجه. (٤) في مطبوع «التيسير»: «هم». (٥) بعدها في مطبوع «التيسير»: أعيادًا. (٦) بعدها في مطبوع «التيسير»: «لهم».