قوله:«لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور»، أي: من النساء وهذا يدل على تحريم زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد وطائفة (٣)، وقيل في تعليل ذلك: إنه يخرجهن إلى الجزع والندب والنياحة والافتتان بها وبصورتها وتؤذي الميت ببكائها، كما في حديث آخر:«فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت»(٤). وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسببًا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط؛ لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، فتحرم سدًا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٤/ ٩٥، ٩٦)، وابن ماجه (١٥٧٥)، وأحمد (١/ ٢٢٩، ٢٨٧)، والطيالسي (٢٧٣٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٦ و ٣/ ٣٤٤)، وابن حبان (٣١٧٩، ٣١٨٠)، والطبراني في «الكبير» (١٢٧٢٥)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، والبغوي (٥١٠)، والبيهقي (٤/ ٧٨)، والخطيب في «تأريخ بغداد» (٨/ ٧٠، ٧١)، وإسناده ضعيف، والحديث حسن لغيره دون ذكر السرج. (٢) كذا في الأصل، وفي مطبوع «التيسير»: «السنن»، وهو أصوب. (٣) انتصر للقول بالحرمة، وترجيح مذهب أحمد فضيلة الشيخ العلامة بكر أبو زيد في «جزء في زيارة النساء للقبور»، وإليه مال المصنف بقوة، وجزم به في فتاواه «العيون الزلالية»، خلافًا لقول آخرين، كما تراه بتطويل وتدليل في «أحكام الجنائز» (ص ٢٢٩ - ٢٣٧)، لشيخنا الألباني - رحمه الله تعالى - ولينظر تحقيقنا في المسألة في التعليق على «التذكرة» للقرطبي، يسر الله نشره بمنه وكرمه. (٤) أخرجه الخطيب في «التاريخ» (٦/ ٢٠١) ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٥٠٦) من طريق أبي هدبة إبراهيم بن هدبة عن أنس بلفظ: «مفتنات الأحياء، مؤذيات الأموات»، وأبو هدبة كذاب دجال ادعى السماع من أنس بعد المائتين، قال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح، وفيه أبو هدبة وقد أجمعوا على أنه كذاب». وأخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٥٧) عن معمر عن عمر موقوفًا وسنده ضعيف، للانقطاع بين معمر وعمر، ورواه أيضًا (٣/ ٤٥٨) عن ابن عمر موقوفًا، وفيه عبد الكريم بن أبي أمية، ضعيف تركه بعضهم. والمحفوظ في هذا الباب ما أخرجه البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) بسنديهما إلى أم عطية قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعْزَم علينا»، وله حكم الرفع، كما هو المقرر في علم المصطلح.