للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنه قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وكانوا يعكفون عند هذه السدرة تبركًا بها، وفي حديث عمرو بن عوف قال: «كان يناط بها السلاح، فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله انصرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها … » الحديث، فيجمع بينهما بأن عبادتها هي العكوف عندها رجاء لبركتها.

وقوله: «وينوطون بها أسلحتهم» أي: يعلقونها عليها للبركة، وقوله: «يقال لها: ذات أنواط»، قال أبو السعادات (١): «سألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك، وأنواط: جمع نوط، وهو مصدر سُمِّي به المنوط» (٢)، وقوله: «فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط»، أي: شجرة مثلها نعلق عليها [أسلحتنا] (٣) ونعكف حواليها، ظنوا أن هذا الأمر (٤) محبوب عند الله فقصدوا التقرب إلى الله بذلك، وإلا فهم أجلّ قدرًا - وإن كانوا حديثي عهد بكفر - عن قصد مخالفة النبي ، وقوله: «فقال النبي : الله أكبر» هكذا في بعض الروايات، وفي رواية الترمذي: «سبحان الله»، والمقصود باللفظين واحد؛ لأن المراد تعظيم الله وتنزيهه عن الشرك، والتقرب به إليه، وفيه تكبير الله وتنزيهه عند التعجب أو ذكر الشرك خلافًا لمن كرهه.

قوله: «إنها السُنن» بضم السين، أي: الطرق، فقوله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا … إلخ» أخبر أن هذا الأمر الذي طلبوه منه، وهو اتخاذ الشجرة (٥) للعكوف عندها، وتعليق الأسلحة بها تبركًا، كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى حيث قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فإذا كان اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها اتخاذ إله مع الله مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بما حدث من عباد القبور من دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذبح والنذر لهم والطواف بقبورهم وتقبيلها، وتقبيل أعتابها، وجدرانها، والتمسح بها، والعكوف عندها، وجعل السدنة والحجاب لها؟ وأي نسبة بين هذا وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا؟


(١) في «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٥/ ١٢٨).
(٢) كذا في «النهاية» و «التيسير»، وفي الأصل: «النوط»!!
(٣) غير موجود في مطبوع «التيسير».
(٤) في مطبوع «التيسير»: «أمر».
(٥) في مطبوع «التيسير»: «شجرة».

<<  <  ج: ص:  >  >>