الأَنْبِيَاءِ (حَقٌّ)(١) - أنه دخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين أي بعضهم حلق، وبعضهم قصر ـ، عرض على أصحابه التوجه إلى مكة للعمرة، فلما وصل إلى الحديبية - وهي مكان قريب من وادي فاطمة - خرج له أهل مكة متأهبين للقتال ومنعوه من دخول مكة، فرجع هو وأصحابه دون أن يدخلوا مكة، فلو كان النبي ﷺ يعلم أنهم سيمنعونه ما توجه إلى مكة، ولكن العاقبة كانت خيرًا، فإن صلح الحديبية حصل به من انتشار الإسلام ما لم يحصل بالحرب.
الثالث: قصة الإفك (٢)، لو أن النبي ﷺ كان يعلم أن عائشة لم تكن في الهودج حين حمله الرجال الأربعة ووضعوه على بعيرها، لأمرهم بالانتظار إلى أن تجيء، وقد حصل بسبب قصة الإفك غم وحزن للنبي ﷺ، وعقاب لأهل الشرك وشر كبير، وأشد ذلك ما وقع لعائشة نفسها من الحزن والمرض ولأبويها، وهي الطاهرة المطهرة التي نزلت براءتها من السماء وهلك فيها من هلك.
الرابع: إن النبي ﷺ لما كان راجعًا من غزوة خيبر منتصرًا وقد أردف صفية ﵂ خلفه عثر بعيره فسقط وسقطت صفية على الأرض (٣)، فلو كان يعلم الغيب لأناخ البعير ونزل قبل أن يعثر.
الخامس: مما يدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، قوله ﵊ في حجة الوداع حين أمر من لم يسق الهدي من أصحابه أن يفسخ حجه
= ٤١٧٩، ٤١٨٠، ٤١٨١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وسيأتيك في التعليق على (٣/ ٧٨ - ٨٠) تحليل قوي لهذه الحادثة، قارنه بكلام المصنف هنا. (١) أخرجه البخاري (١٣٨) من حديث ابن عباس بنحوه. (٢) أخرجه البخاري (٤٧٥٠) من حديث عائشة. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠٨٦) بسنده إلى أنس بن مالك ﵁: أنه أقبل هو وأبو طلحة مع النبي ﷺ، ومع النبي ﷺ صفية مردفها على راحلته، فلما كانوا ببعض الطريق عثرت الناقة، فصرع النبي ﷺ والمرأة، وإن أبا طلحة - قال: أحسب قال: - اقتحم عن بعيره فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله جعلني الله فداءك، هل أصابك من شيء؟ قال: «لا ولكن عليك بالمرأة». فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، فشد لهما على راحلتهما فركبا، فساروا حتى إذا كانوا بظهر المدينة، أو قال: أشرفوا على المدينة، قال النبي ﷺ: آبون تائبون عابدون، لربنا حامدون. فلم يزل يقولها، حتى دخل المدينة.