للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويجعله عمرة (١)، فلما شق عليهم ذلك قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي».

السادس: إن النبي لما توجه إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، ما كان يعلم أن أمير الطائف سيقابله بالتكذيب ويرد عليه بأقبح رد، وإن سفهاء أهل الطائف سيقعدون له سماطين، ويرمونه بالحجارة حتى يسيل الدم من رجليه الشريفتين، وأنه سيحتاج في الرجوع إلى مكة إلى من يجيره من أهلها؛ لأنهم سيغضبون عليه حين يذهب لدعوة أعدائهم، فاضطر إلى أن يبعث مولاه زيد بن حارثة إلى المُطعِم بن عدي أحد سادات مكة ليدخل في جواره، أي حمايته، وحصل له غم عظيم عند رجوعه من الطائف، فدعا بالدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (٢)».

ومن تتبع سيرة النبي وجد الشيء الكثير من ذلك، فالعجب من المشركين في هذا الزمن الذين يزعمون أن النبي يعلم الغيب ويتصرف في السموات والأرض وهو موجود في كل مكان (٣)، ثم هم مع ذلك يخالفون سنته،


(١) أخرجه البخاري (١٧٨٨)، ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة ، والبخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧) من حديث ابن عمر .
(٢) أخرج هذه القصة ابن إسحاق (١/ ٢٦٠ - ٢٦٢) بسند رجاله ثقات عن محمد بن كعب القرظي مرسلًا، وقوله: «اللهم إليك أشكو … .» إلخ الدعاء ذكره بدون سند. وكذلك رواه ابن جرير (١/ ٨٠ - ٨١) من طريق ابن إسحاق وروى هذه القصة الطبراني في «الكبير» من حديث عبد الله بن جعفر مختصرًا وفيه الدعاء المذكور بنحوه، قال الهيثمي (٣٥/ ٦): «وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات» فالحديث ضعيف، أفاده شيخنا الألباني. انظر: «فقه السيرة» (ص ١٣٢). وانظر: «تاريخ الطبري» (٢/ ٣٤٥، ط. دار المعارف)، و «كنز العمال» (٢/ ١٧٥، ط. الرسالة).
(٣) لبعض المبتدعة رسالة مطبوعة في مكتبتي بعنوان «أبدع ما كان في إثبات أن محمدًا لا يخلو من زمان ولا مكان» اللهم احفظ علينا عقولنا وديننا.

<<  <  ج: ص:  >  >>