ويحكمون بخلاف شريعته، ويزعمون أن هذه المحبة الشركية الكاذبة تغنيهم عن الاتباع، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وإذا كان النبي ﷺ لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعًا لا ضرًا، فكيف يستطيع قضاء حاجات هؤلاء الغربان الناعبين في كل حين إذا قاموا قالوا: يا رسول الله، وإذا قصدوا قالوا: يا رسول الله، وإذا فزعوا قالوا: يا رسول الله، والله تعالى يقول في سورة المائدة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير؛ أي نذير للكافرين من العذاب، وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].
ثم قال (ك): ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﷺ وأنه خلق منه زوجته (١) حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: ١] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي: ليألفها كقوله (٢) تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فلا ألفة بين اثنين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجته (٣).
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وذلك (٤) الحمل لا تجد المرأة له ألمًا، إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، وقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله (٥) فشكت أحملت أم لا؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: صارت ذات ثقل بحملها ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: بشرًا
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «زوجه». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ويسكن بها؛ كما قال». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وزوجه». (٤) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أول». (٥) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به».