للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أكبر من هذا؟ (١) قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود أحدثوا طريقا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبرهيم فيما أحدثوه (٢)، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨] وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له والاستسلام والانقياد فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا، وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام الله، أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] (٣) وقوله: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا؛ ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته، بأن من قصد الخير وفق له ويسر (٤) عليه، ومن نوى صالحا ثبت عليه، وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٥). لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: «فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس» (٦). وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «من هذا كله كما».
(٢) أخرجه ابن جرير (٢/ ٥٧٨)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٣٨) وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ١٣٩) إلى عبد بن حميد أيضا، وهو مرسل، وانظر: «العجاب» (١/ ٣٧٨).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٨ - ٩٩).
(٤) كذا في مطبوع تفسير ابن كثير، وفي الأصل: «ويسير»!
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٣٢)، ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود.
(٦) أخرجه البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢) من حديث سهل بن سعد.

<<  <  ج: ص:  >  >>