الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]
إنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
قال محمد تقي الدين الهلالي: والتقوى اجتناب النواهي وامتثال الأوامر، فمن اتخذ شخصًا غير معصوم يجتنب كل ما نهاه عنه ويمتثل كل ما أمره به، فقد اتخذ مع الله إلهًا آخر، فإن كل واحد غير معصوم، وإن بلغ في العلم والصلاح ما بلغ لا يقبل قوله في الدين حتى يعرض على كتاب الله وسنة رسوله فما وافق يؤخذ وما خالف يترك، وغلاة المتصوفة يأمرون المريدين أن يطيعوا شيوخهم في كل ما يأمرون به بدون سؤال ولا مراجعة، ويقولون:(من قال لشيخه: «لم»؟ لا يفلح أبدًا) وقال شاعرهم (١):
وكُن عنده كالميت عند مُغَسِّلٍ … يُقَلِّبه ما شاء وهو مطاوع
ويقولون: إذا رأيت امرأة حسناء دخلت على شيخك فقم سخن الماء،
فهذه النبوة الباهرة الجليلة التي لا شك فيها ولا مرية، فقد نطقت بالحق وباحت بالمكتوم وكشفت الأغطية وأزالت الشبهات، وسمى الله النبي ﷺ تسمية مرتين، وأخبر أن المنايا تسير أمامه وتصحب سباع الطير راياته، وأنه يركب الخيل ويظهر الخلاص وترتوي السهام بأمره من الرِّماءِ، وهو الذي وقفت الشمس والقمر عن مجاريهما له، وسار العساكر في بريق سهامه ولمعان نيازكه. فإن لم يكن هو الذي وصفنا فمن إذًا؟ لعلهم بنو إسرائيل المأسورون المسبيون، أو النصارى الخاضعون المستسلمون. وكيف يكون ذلك وقد سمى فيها النبي ﷺ مرتين ووصف عساكره وحروبه، وأنه يدوس الأمم دوسًا ويُدوّخهم غضبًا ورجزًا؟ فدَعُوا يا بني عمي اللجاج والمَحكَ، وتجرَّعُوا مرارات الحق وأفيقوا من سكركم، وافهموا عن الله تعالى وعن أنبياءه البررة الطيبين ﵈ والصلاة أجمعين. وقال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح (٥/ ٢٦٩) على إثره: «وهذا تصريح بمحمد، ومن رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمد ﷺ فقد رام ستر النار، وحبس الأنهار، وأنَّى يقدر على ذلك؟! وقد سماه باسمه مرتين، وأخبر بقوة أمته، وسير المنايا أمامهم، واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد، ولا تصلح إلا له، ولا تدل إلا عليه. فمن حاول صرفها عنه، فقد حاول ممتنعًا». (١) هو القطب الجيلي، سبط الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت ٨٣٢ هـ)، وقال على إثره: ولا تعترض فيما جهلت من امره عليه فإنّ الاعتراض تنازع