على أنه خلق عيسى بكلمة كن فكان كما أمره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]).
قال محمد تقي الدين: لم يبق لي ما أقوله بعدما حقق الإمامان (ك) و (ج) تفسير هاتين الآيتين، إلا أنه كان ينبغي أن تدرج في (القسم الثاني) من هذا الكتاب، وهو (توحيد الربوبية)، لأنهما عليه أدل، وإليه أدنى ولكن هذين النوعين من التوحيد متلازمان لتحقيق الإيمان بالله، فإن توحيد العبادة يستلزم توحيد الربوبية؛ لأن من وحد الله في عبادته، قد علم وأيقن وآمن أنه لا رب له ولا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا حافظ لوجوده ولا متصرف فيه إلا واحد، وهو الله تعالى، أما توحيد الربوبية فإنه لا ينفع إلا إذا كان معه توحيد العبادة، ولكن لما كان النصارى قد اتخذوا ادعاء بنوة عيسى الله تعالى ذريعة لعبادته وإشراكه مع الله تعالى، كانت هناك مناسبة لإدخال الآيتين في قسم توحيد العبادة، وهكذا جميع المشركين حين يعبدون غير الله تعالى يزعمون أنهم ما عبدوا ذلك المعبود إلا لقربه من الله تعالى وعلو مكانته عنده، كما قال تعالى في أول سورة الزمر: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فجعلهم الله تعالى كاذبين وكافرين أشد الكفر بقولهم ذلك.
قال (ك): «يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله ﵇، وأن الله جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد حين قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم؛ أي اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن كلهن كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] أي: وفى