للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول ههنا والله أعلم، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: سائر بين السماء والأرض مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما [يصرفه تعالى] (١) ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى (٢):

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] (٣).

قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ حجة في توحيد العبادة على كل من يؤمن بالله ربًا، فلا يعبد غيره ولا يتوجه إلى غيره بأي وجه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ دليل على ذلك؛ لأن الذي خلق السموات والأرض وما ذكر بعدها، وهو الذي يصرفه كيف يشاء، وهو الذي يستحق العبادة وحده، فتوحيد الربوبية دليل على توحيد الإلهية عند كل عاقل رشيد ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].

ثم قال (ك) في تفسير الآية الثانية: يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو ولا ضد له ولا ند له ولا شريك معه، وفي «الصحيحين» (٤) عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل الله ندًا وهو خلقك». وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم الله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ويلجؤون في جميع أمورهم إليه، ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.

قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة الله جميعًا، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وإن جميع الأشياء تحت [غلبته


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير: «يصرفه الله تعالى».
(٢) سقط من الأصل، وأثبته من تفسير ابن كثير».
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٣٨ - ١٤٠) بتصرف.
(٤) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦) من حديث ابن مسعود.

<<  <  ج: ص:  >  >>