للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي: لو كان مرجع [ذلك] (١) إلي، لأوقعت [بكم] (٢) ما تستحقونه من ذلك ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في «الصحيحين» (٣) من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله : يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلّم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول الله : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا».

وهذا لفظ مسلم، فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئًا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾؟ فالجواب - والله أعلم -: إن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث، فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، فلهذا استأنى بهم، وسأل الرفق لهم، وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري (٤) بسنده عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله قال: مفاتح الغيب خمس - لا [يعلمهن] (٥) إلا الله -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ما تستعجلونه به».
(٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «لكم»!
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥).
(٤) أخرجه البخاري (٤٦٢٧)، وأحمد (٢/ ١٢٢) وغيرهما.
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يعلمها».

<<  <  ج: ص:  >  >>