مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: إثمًا وازدادت الجن عليهم بذلك جرأة، وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها، فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر وأنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك» (١). اهـ.
قال محمد تقي الدين فقد تبين أن مشركي العرب كانوا يعبدون الجن بالعياذ والخوف، وتقدم أن الجهال في هذا الزمان يعبدون الجن إذا بنوا بيتًا جديدًا يذبحون ذبيحة للجن قربانًا لهم لئلا يؤذوهم، والسحرة في هذا الزمان إذا دعوا لعلاج شخص مصروع يأمرون أهله بذبح ذبيحة لذلك الجن الذي صرعه بزعمهم.
[الباب الثالث عشر]
قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٦ - ١٠٧]
قال (ك): «يقول تعالى أمرًا لرسوله ﷺ ولمن اتبع طريقته: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: اقتد به واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه، لأنه لا إله إلا هو: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن الله حكمة في إضلالهم فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعًا، [﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥](٢)، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا تحفظ أقوالهم وأعمالهم: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم، إن عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٤/ ١٤٨). (٢) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير».