للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)[مريم: ٨٨ - ٩٥] ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبين تعالى أنه خلق كل شيء وهو (١) بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ أي: فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له (٢) ولا نظير ولا عديل: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار (٣).

[فائدة]

قال محمد تقي الدين: قول (ك): «فإن قيل: كيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ وجوابه عن ذلك، بأن الجن يوسوسون لعباد الأصنام يزينون لهم عبادتها فنسبت إليهم العبادة لذلك. فيه نظر؛ لأن القرآن قد صرح بأن بعض المشركين كانوا يعبدون الجن حقيقة، كما في قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] وقال تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] قال (ك) في تفسير هذه الآية: «أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها، وكما كانت عادة العرب في جاهليتها، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوءهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم فَزَادُوهُمْ رَهَقًا، أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا حتى صاروا (٤) أشد منهم


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وأنه».
(٢) بعدها في مطبوع تفسير ابن كثير: «ولا والد ولا صاحبه له».
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ١٢٠ - ١٢٢).
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تبقوا».

<<  <  ج: ص:  >  >>