متلهفًا لإكمال مطالعة الكتاب، وكنت في طريقي أسمع الطوافين يسألون الصدقات متوسلين بأسماء الأولياء، هذا يقول: من يعطيني صدقة لوجه الشيخ عبد القادر الجيلاني، والآخر يقول: لوجه فلان والثالث يقول: لوجه فلان، وبعضهم يقول: لوجه الله، فلم أعبأ بهم، ولما وصلت البيت وأردت أن أفتحه سمعت طوافًا من بعيد يقول: من يعطيني صدقة لوجه سيدي أحمد التيجاني، فرجعت وأعطيته صدقة، ففي ذلك الوقت كانت رغبتي ورهبتي للشيخ التيجاني أكثر من رغبتي ورهبتي الله، والمشركون في هذا الزمان إذا حلفت لهم ألف يمين بالله لا يصدقونك، وإذا حلفت لهم بشيخك يصدقون، وفي هذا دليل على أنهم يخافون ويرجون شيوخهم أكثر من خوفهم ورجائهم الله، ويحكى أن قومًا كانوا في سفينة فاختل سير السفينة، وبدأت تغرق فأخذ ركاب السفينة يصرخون ويستغيثون بأوليائهم من دون الله، وكان معهم عالم سلفي ساكت فقالوا له: أيها الشيخ ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا تستغيث؟ فقال: أسأل الله أن يغرقكم وأنا معكم، فقالوا له: أما تخاف الله؟ أتدعو علينا بهذا الدعاء؟ فقال: إنكم تستحقون الإغراق؛ لأنكم أعرضتم عن الله الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وأخذتم تستغيثون بالمخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا.
يقول الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين المعاندين: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي: سلبكم إياها كما أعطاكموها، [كما قال تعالى](١): ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [الملك: ٢٣](٢) وقال:
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فإنه». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي ولهذا قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ كما قال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾».