قال محمد تقي الدين: دلت هذه الآية وآيات أخرى في معناها على أن المشركين الذين كانوا في زمان النبي ﷺ كانوا يشركون مع الله غيره في العبادة في وقت الرخاء، أما في وقت الشدة فكانوا لا يدعون إلا الله لكشف ما نزل بهم من الضر؛ لأنهم يعلمون مما بقي عندهم من دين إبراهيم وإسماعيل، أن الشرك بدعة وكفر لا يرضاه الله تعالى، ويعلمون أن معبوديهم ولو كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين لا يستطيعون كشف ذلك الضر فيخلصون الدعاء لله، فإذا ذهب الضر عنهم وأمنوا واطمأنوا رجعوا إلى الشرك.
أما المشركون في هذا الزمان، فإنهم يشركون بالله غيره من أوثانهم وأوليائهم الذين اتخذوهم آلهة في الرخاء وفي الشدة، بل منهم من يخلص الدعاء كله في الشدائد لغير الله تعالى، ولا يذكر الله أصلًا، وأنا بنفسي وقع لي مثل هذا لما كنت مشركًا، وأنا قد ناهزت الاحتلام، كنت مع رفيق في السفر، وأحسست - بل تيقنت - أنه يأتمر مع جماعة بقتلي وسلب مالي، انتبذت مكانًا بعيدًا، وجلست أستغيث بالأولياء، وكلما استغثت بواحد منهم خططت في الأرض خطًا، فلما فرغت من الاستغاثة عددت الخطوط، فوجدتها أربعة وثمانين خطًا، ولم أستغث بالله، ولكن الله علم أني جاهل فرحمني وأغاثني، وظننت أنا في ذلك الوقت أن أولئك الأولياء هم الذين أغاثوني، وهم في الدار الآخرة لا علم لهم بما وقع لي ولا باستغاثتي بهم، ولو علموا ما قدروا أن يعملوا شيئًا، كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤].
ومرة كنت أطالع كتابًا في مدينة وجدة وقد انتصف الليل وانقضت الشمعة التي كنت أطالع على ضوئها، فخرجت مسرعًا لعلي أجد دكانًا مفتوحًا لأشتري منه شمعة، وبعد لأي وجدت دكانًا مفتوحًا فاشتريت الشمعة ورجعت بها مسرعًا