للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غيره؟ كقول إبراهيم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] ومعنى الآية أنه هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ينبه به تعالى عن ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدًا، كما يزعم (١) من قاله من اليهود في عزير ومن النصارى في عيسى (٢)، ومن قال من مشركي العرب (٣) في الملائكة أنها بنات الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ومعنى خرقوا (٤) أي: اختلقوا والتفكوا وتخرصوا وكذبوا كما قاله علماء السلف.

قال (ح): وتأويله (٥) إذًا: جعلوا الله الجن شركاء في عبادتهم إياه (٦)، وهو المتفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٧) بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق كما قال مجاهد والسدي، ومنه سميت البدعة بدعة؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون له ولد؟ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: والولد إنما يكون متولدًا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يزعمه».
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «المسيح».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير: «وكما قال المشركون من العرب».
(٤) في مطبوع تفسير ابن كثير»: «وقوله: ﴿وَخَرَقُوا﴾».
(٥) في مطبوع «تفسير ابن جرير» (٩/ ٤٥٦): «فتأويل الكلام».
(٦) كذا في مطبوع تفسيري ابن جرير وابن كثير، وفي الأصل: «إياهم»!
(٧) بعدها في مطبوع تفسيري ابن جرير وابن كثير: «يقول: وتخرصوا الله كذبًا فافتعلوا له بنين وبنات ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾».

<<  <  ج: ص:  >  >>