للإلهية، ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعًا، ثم لا تنظرون ﴿إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٢] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقد ثبت في «الصحيحين»(١) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة»(٢).
قال محمد تقي الدين: قد رأينا أن اختيار (ك) أن إبراهيم ﵇ كان مناظرًا لا ناظرًا، قد أقام عليه براهين قاطعة، ومعنى مناظرًا لا ناظرًا؛ أنه لم يكن في أول أمره يعتقد أن النجم ربه ثم انتقل إلى اعتقاد أن القمر ربه، ثم انتقل إلى اعتقاد أن الشمس ربه، ثم انتقل من ذلك إلى توحيد الله تعالى والبراءة من معبودات قومه؛ لأن الله حفظ أولياءه ورسله من الشرك والمعاصي قبل النبوة، وهيأهم لها فقوله لما رأى النجم قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي: بزعمكم أيها المشركون؛ فإن كان ما تدعون حقًا فإنه سيثبت ولا يزول، فلما غاب انتقل إلى طالع آخر أقوى منه ليستدرجهم إلى توحيد الله تعالى، فقال لما رأى القمر: ﴿هَذَا رَبِّي﴾،
(١) أخرجه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة. (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ٩٤ - ٩٩) بتصرف يسير.