للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فاضطررت أن أفسرها بكلامي مما فهمته من التفاسير، قال تعالى عائبا على المشركين: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: خلق ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: غلة الزرع ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، ﴿نَصِيبًا﴾ أي: قسما، وجعلوا لأوثانهم نصيبا آخر، فقالوا: هذا الله، وأطعموه الضيوف والمساكين، وأما النصيب الذي جعلوه لأوثانهم فإنهم يعطونه سدنتها، فإذا وقع من النصيب الذي جعلوه الله شيء في النصيب الذي جعلوه لأوثانهم تركوه مع نصيب الأوثان، وقالوا: إن الله غني، والأوثان فقيرة، أما إذا وقع في النصيب الذي جعلوه الله شيء من النصيب الذي جعلوه لأوثانهم أخذوه وردوه إلى نصيب الأوثان، وهذا يدل على أن خوفهم ورجاءهم للأوثان أكثر من خوفهم ورجائهم الله تعالى، فلذلك يتساهلون في حق الله ولا يتساهلون في حق الأوثان.

وهكذا يعمل مشركو هذا الزمان، وقد تقدم بيان ذلك، هذا معنى ما رأيته في عدة من التفاسير، ويظهر لي أن معنى الآية أن المشركين، يتصدقون بنصيب من أموالهم لوجه الله، ويتصدقون بنصيب آخر تقربا إلى أوثانهم، فما جعلوه الله لا يقبله منهم فلا يصل إلى الله، أي: لا يكون مقبولا عنده، وما جعلوه من الصدقة لشركائهم فهو للشركاء وكذلك ما جعلوه الله أيضا يرجع للشركاء؛ لأن الله تعالى غني عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان كله خالصا له، فمن جعل من عبادته تسعمائة وتسعة وتسعين جزءا الله تعالى وجزءا واحدا لغير الله تعالى، أحبط الله عمله ولم يقبل من عبادته شيئا، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١). وفي حديث آخر يقول الله تعالى: «أنا خير الشريكين» (٢) وهذا المعنى ظاهر في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] فنفى الله عنهم عبادته مع أنهم كانوا يعبدونه بالحج والصدقة لأنهم كانوا يعبدون معه غيره.


فالتحريف والفساد من الطبعة، لا في «التفسير»، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠١)، ومسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢)، وابن خزيمة في «صححه» (٩٣٨) (٢/ ٦٧، ٦٨) من حديث أبي هريرة فيما رواه النبي عن الله ﷿.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٥ - ١٢٦)، والطيالسي (١١٢٠)، والطبراني في «الكبير» (٧١٣٩)، والحاكم (٤/ ٣٢٩)، وأبو نعيم (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، والبيهقي في «الشعب» (١٦٨٤٤) وإسناده ضعيف، فيه شهر بن حوشب.

<<  <  ج: ص:  >  >>