للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شعيب بعد ﴿ما أصابهم﴾ (١) من العذاب والنقمة والنكال. وقال مقرّعًا لهم وموبخًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا آسف (٢) عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به، فلهذا (٣) قال: ﴿فكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (٤).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: مَنْ حقق توحيد الله تعالى بأن أفرده بالعبادة، ولم يدع مع الله أحدًا، وحقق اتباع رسوله ، واتخذه إمامًا وقدوة لا يبغي به بديلًا ويرضاه في طريقه دليلًا، لا بد أن يعمل بمقتضى الشهادتين، فيطيع الله ورسوله ويحافظ على الأوامر ويجتنب المنهيات، فلا يغش مسلمًا ولا معاهدًا، وفي «الصحيح» (٥): «أن النبي ذهب إلى السوق فوجد صبرة من طعام، فأدخل يده فيها، فوجد أسفل الحب مبتلًا وأعلاه يابسًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: يا رسول الله، أصابته السماء من الليل، فقال النبي : «فهلا أظهرته؟ من غشنا فليس منا»»، هذا معنى الحديث.

وبيان هذا الحديث، أن رجلًا من أهل المدينة كان يبيع الحبوب، فنزل المطر فابتل الحب، فجاء بحب ناشف لم يصبه المطر، فغطى الحب المبتل به، وهذا غش لأنه أخفى العيب الذي في حبه ولم يظهره للناس، فالذي يغش المسلمين أو المعاهدين لم يعمل بمقتضى الشهادتين، فمثل هؤلاء هم الذين يخونون الأمانات ويأكلون أموال الناس بلا حق، ولا يوفون الكيل ولا الميزان، ويفسدون في الأرض بعد إصلاحها، ويقعدون بكل سبيل يتوعدون الناس بالأذى ليأكلوا أموالهم بالمكس ونحوه، وهم أهل لكل شر لما عندهم من النفاق، ولأن قلوبهم خالية من نور الإيمان، وهو نور لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وقوله: «كانوا عشارين» العشار: هو المكاس الذي يأخذ العشر من البضائع.


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير» مكررة مرتين.
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أسفة».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ولهذا».
(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ٣٤٨ - ٣٥١).
(٥) أخرجه مسلم (١٠٢) من حديث أبي هريرة، ولفظه: «أفلا جعلته فوق الطعام، كي يراه الناس، من غش فليس مني».

<<  <  ج: ص:  >  >>