التي تمر عليه في الطريق، وأخذ المكس والأعشار حرام بالإجماع، وهو من أعظم الذنوب، يدلك على ذلك أن النبي ﷺ لما صلى على المرأة الغامدية التي اعترفت بالزنى وطلبت منه إقامة الحد ﵂، قيل له: كيف تصلي عليها وقد زنت؟ فقال:«إنها تابت توبة لو قسمت على سبعين منكم لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن تجود بنفسها؟»(١). اهـ. وصدق رسول الله ﷺ، فإن الجود بالنفس أقصى غاية الجود، وفي رواية:«إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له»(٢).
وقد استباح الناس في هذا الزمان المكسوس في مشارق الأرض ومغاربها، وصارت عندهم من الأمر بالمعروف الذي لا ينكره الخاصة والعامة، فلذلك سلط الله عليهم عدوهم وأذلهم وأهانهم، ولا يزالون كذلك حتى يرجعوا إلى اتباع الرسول ﷺ في كل ما جاء به.
[فصل]
قوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقال: ما أشبه الليلة بالبارحة، فما زال المشركون يأكلون خير الله ويعبدون غير الله، ما زالوا في كل زمان ومكان يصدون الناس عن سبيل الله، أي: توحيد الله واتباع رسله، وفي هذا الزمان كل من وحد الله واتبع سنة رسوله ﷺ يقفون له بالمرصاد، ويقولون: احذروا فلانا فإنه وهابي وقد صدقوا وهم كاذبون، فإن من وحد الله واتبع رسوله ﷺ تصح نسبته إلى الوهاب سبحانه كما قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠] لما اعتزل إبراهيم المشركين في العراق وهو وطنه، وذهب في أرض الله متوكلًا على الله، وهب الله له ذرية طيبة إسماعيل وإسحاق، وبشره كذلك بيعقوب بن إسحاق ليرى أبناءه وأحفاده
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٤٠)، والترمذي (١٤٣٥)، والنسائي (٣/ ٦٤)، وعبد الرزاق (١٣٣٤٨)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٨٧ - ٨٨)، وأحمد (٤/ ٤٢٨ - ٤٣٠ - ٤٣٦ - ٤٣٧، ٤٤٠)، والدارمي (٢/ ١٨٠ - ١٨١)، والطيالسي (٨٤٨)، وابن الجارود (٨١٥)، وابن حبان (٦/ ٤٣٣ - ٤٣٤ «التعليقات الحسان») رقم (٤٤٢٤)، والطبراني (١٨/ رقم ٤٧٥، ٤٧٦)، والدارقطني (٣/ ١٠١، ١٠٢)، والبيهقي (٨/ ٢٢٥) من حديث عمران بن حصين، وإسناده صحيح. (٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة.