للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ وقرأ بعضهم (١): لئن لم ترحمنا بالتاء المثناة من فوق ﴿رَبَّنَا﴾ منادى ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله ﷿.

ثم قال (ك): يخبر تعالى أن موسى رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف، قال أبو الدرداء: الأسف أشد الغضب (٢). ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادة العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من الله تعالى.

وقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» (٣) ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣]، ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تسقني سياقهم (٤).


(١) قرأها هكذا بالتاء المثناة من فوق حمزة والكسائي والشعبي وابن وثاب وعاصم الجحدري وطلحة بن مصرف والأعمش وأيوب وخلف والمفضل، ونسبت إلى ابن مسعود. انظر: «الكشف عن وجوه القراءات» (١/ ٤٧٧)، «النشر» (٢/ ٢٧٢)، «حجة القراءات» (٢٩٦)، «شرح الشاطبية» (٢٠٧)، «تفسير ابن جرر» (١٠/ ٤٤٨)، «معجم القراءات» (٣/ ١٦٥).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٠/ ٤٥٠) وأبو الشيخ كما في «الدر المنثور» (٤/ ١٢٧).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٢١٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٥/ ٨٩٩٨)، والبزار (١) رقم ٢٠٠ - «كشف الأستار»، وابن حبان (٦٢١٣، ٦٢١٤)، والطبراني في «الأوسط» (٢٥)، وفي «الكبير» (١٢/ ١٢٤٥١)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٥٩٦)، وأبو الشيخ في «الأمثال» (٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٧٤٧، ١١٨٢ - ١١٨٤)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٥٠٥)، والحاكم (٢/ ٣٢١، ٣٨٠)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٥٦ و ٨/ ١٢)، والضياء في «المختارة» (١٠/ رقم ٧٣، ٧٦) من حديث عبد الله بن عباس ا - وله تتمة سيأتي ذكرها عند المصنف فيما سينقله عن السخاوي في «المقاصد الحسنة» ـ، وهو صحيح.
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «مساقهم».

<<  <  ج: ص:  >  >>