وتجعلني (١) معهم وإنما قال: ﴿ابْنَ أُمَ﴾ ليكون أرق (٢) وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠] فعند ذلك قال موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد (٣) متصلة من قبله على كتفيه، كما قال الحسن البصري:«إن ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين»، وهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل (٤)، ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة (٥)، ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك الفعلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: كل من عبد غير الله تعالى فهو من الذين لا يعقلون، وهو من شر الدواب الذين لا يسمعون، وهؤلاء المشركون بعضهم أضل من بعض، فالذين عبدوا الأنبياء والصالحين في ضلال مبين، والذين عبدوا قبورهم أضل منهم، وأهل الهند الذين يعبدون البقرة الأنثى، وقوم موسى الذين عبدوا عجلًا من ذهب له خوار أقل ضلالًا من الذين يعبدون القبور والأشجار
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ولا تخلطني». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أرأف». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الرسالة». (٤) أخرج مقولة ابن عيينة: ابن جرير (٦/ ٩٦) وأخرجها ابن أبي حاتم (٥/ ١٥٧١) رقم (٩٠٠٤، ٩٠٠٥) عن أبي قلابة وابن عيينة، وانظر: «الاعتصام» (١/ ٩٧ - بتحقيقي). (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الرحمة نبي النور». (٦) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٥ - ٣٩٨).