والأحجار؛ لأن القبور إنما هي تراب ليس فيها روح ولا حياة، فالذين يعبدونها أضعف عقلًا من الذين يعبدون البقرة التي فيها منافع، وعجل السامري له خوار.
والغلو في الأنبياء والصالحين يفضي إلى الكفر كما وقع للنصارى حين غلوا في عيسى ﵇، وكما وقع لقوم نوح حين غلوا في الصالحين حتى عبدوهم وعبدوا قبورهم، ثم تماثيلهم كما قال النبي ﷺ:«أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»(١). وقد تقدم ذلك مبسوطًا.
[فصل]
استدل بهذا السلف على ضلال من ينكر كلام الله تعالى من المعتزلة الذين يقولون إن كلام الله مخلوق ومتأخري الأشعرية الذين يزعمون أن كلام الله معنى قائم بذاته تعالى ليس بحرف ولا صوت ولا بالعربية ولا بالعجمية، وليس فيه تقديم ولا تأخير ويزعمون أن القرآن ليس كلام الله، وإنما هو دال على مدلول كلام الله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وإنما يسمعه هذا المشرك من لسان النبي ﷺ بحرف وصوت، والعجز عن التكلم نقص، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] فالذي لا يستطيع الكلام ولا يملك الضر والنفع لا يعبد ولا يكون إلهًا.
[فصل]
قول (ك): وهذا دلالة على ما جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة»(٢). نص الحديث على ما ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» عن أبي هريرة وأنس مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: «ليس الخبر كالمعاينة» ونسب حديث أنس إلى الطبراني في «الأوسط»، وحديث أبي هريرة إلى الخطيب، ثم ذكر حديثًا آخر عن ابن عباس مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال:«ليس الخبر كالمعاينة» أن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ما
(١) أخرجه البخاري (٤٣٤) من حديث عائشة. (٢) سبق تخريجه.