قال محمد تقي الدين: قوله: «وحدوه»؛ لأن الذين تقدم ذكرهم من أنواع الكفار كلهم يعبدون الله ولكنهم لا يوحدونه ومن صرف من عبادته لغير الله مثقال ذرة، فلم يعبده؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له من الشرك الأكبر والأصغر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣]، فنفى عنهم عبادة الله تعالى مع أنهم كانوا يعبدون الله بالحج والدعاء والصدقة والذبح إلا أنهم كانوا يشركون معه غيره، فكان قائلهم يقول إذا أهل بالحج:«لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك»(١). فمن أهل هذا الزمان من يصلي صلاة كثيرة ويصوم ويتصدق ويذكر الله، ولكنه مع ذلك يدعو غير الله ويستغيث بغير الله ويذبح لغير الله ويحلف بغير الله ويخاف غير الله ويرجو غير الله ويتذلل لغير الله ظاهرًا وباطنًا، وبعض هذه الأمور بل كلها يحبط عمله فلا يقبل الله منه شيئًا؟ قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
قال محمد تقي الدين في هاتين الآيتين نوعان من التوحيد: أولهما: توحيد العبادة في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وقول ابن عباس: أي: وحدوه، والثاني: توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية إذا لم يكن معه توحيد العبادة لا ينفع صاحبه شيئًا؛ فإن أكثر الكفار يعتقدون أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم والمنعم عليهم فلم ينفعهم ذلك شيئًا؛ لأنهم لم يخصوه بالعبادة والتوجه والقصد والطلب، ونعم الله على عباده كثيرة لا يحصيها إلا هو كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقد ذكر ﷾ في هاتين الآيتين نعمًا متعددة أولاها أنه خالق كل شيء، ثانيها أنه جعل للناس هذه الأرض صالحة لسكناهم وفيها أسباب الراحة ثالثها أنه جعل السماء سقفًا حافظًا لهم من الآفات التي تأتي من السموات، رابعها أنه أنزل من السماء ماء مباركًا لا يستطيع إنزاله إلا هو، ولا حياة لهم بدونه خامسها أنه أخرج لنا به من أنواع النبات
(١) هذه التلبية كان يقولها أهل الشرك في الجاهلية، أخرج ذلك مسلم في «صحيحه». (١١٨٥) عن ابن عباس.