رغم جميع إخوته» (١)، واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم، ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام؛ لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام، ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة، فلو لم يكن النبي ﷺ صادقًا لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية الله تعالى وخروجًا عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله.
والثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من (السفر الخامس): «إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيًا مثلي من بينكم ومن إخوانكم» وفي هذا الفصل: «إن الرب تعالى قال لموسى: إني مقيم لهم نبيًا مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه». وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل، كما أن من قال لبني هاشم إنه سيكون من إخوانكم إمام أعقل منه أنه (٢) لا يكون من بني هاشم، ثم إن يعقوب ﵇ هو إسرائيل، ولم يكن له أخ إلا عيص (٣) ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى ﵇، فلا يجوز أن يكون موسى ﵇ مبشرًا به. وأما إسماعيل فإنه كان أخًا لإسحاق والد يعقوب، ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل. فالنبي ﷺ ما كان منهم لكنه من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخ (٤) إسحاق ﵇.
فإن قيل: قوله: «من بينكم» يمنع من أن يكون المراد محمدًا (٥)؛ لأنه
(١) انظر: «العهد القديم» (ص ٢٣). (٢) في مطبوع «التفسير الكبير»: «عقل أنه». (٣) في مطبوع «التفسير الكبير»: «العيص». (٤) في مطبوع «التفسير الكبير»: «أخو». (٥) كذا في مطبوع «التفسير الكبير»، وفي الأصل: «محمد»!