للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢]

قال (ك): «يبين الله تعالى (١) اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم، وقال قتادة بينتكم على ذلك. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فيما تدعونه (٢)، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يبين تعالى».
(٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ثم».
قال أبو عبيدة: مما فات المصنف التنبيه عليه أمور:
الأول: جمع الأماني في قوله: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، مع أن قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ أمنية واحدة، إشارة إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارًا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم.
الثاني - وهو على شرط المصنف وفاته التنبيه عليها في (القسم الثالث) من هذا الكتاب أيضًا -: لما كان كل مدع لغيب مفتقرًا في تصحيح دعواه إلى دليل، وكان مثل هذا لا يقنع فيه إلا بقاطع؛ أَمَرَ أعلم الخلق؛ لأنه لا ينهض بإخراسهم في علمهم ولددهم غيره بمطالبتهم بذلك، ناقضًا لدعواهم، فقال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: هلموا حجتكم، على اختصاصكم بدخول الجنة، ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل فهو باطل غير ثابت، و «هات» صوت بمنزلة هاء - بمعنى: أحضر، و «البرهان» هو البيان والحجة والبينة - ويقال له: الشاهد - قال:
من ادعى شيئًا بلا شاهد لا بد أن تبطل دعواه
الثالث: لما نادى عليهم بالكذب في قوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أثبت لغيرهم بقوله: ﴿بَلَى﴾ ما ادعوا الاختصاص به، فبلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة،

<<  <  ج: ص:  >  >>