للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠].

وقال أبو العالية والربيع: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يقول: من أخلص الله، وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: فيه دينه (١): ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: اتبع (٢) فيه الرسول ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم (٣) من حديث عائشة عنه ، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله، فإنه لا يتقبل منهم حتى يكونوا في ذلك متبعين (٤) للرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢ - ٥] وروي عن أمير المؤمنين عمر أنه تأولها في الرهبان (٥) كما سيأتي، وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين كما قال


= وأفادت أيضًا أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت لمن أسلم وجهه الله برهانًا، وأفادت أيضًا ترغيبهم في الإسلام، وبيانًا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا إلى هذه الطريقة، فكأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم لا تفوزون بالجنة، بلى؛ إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله، وأحسنتم فلكم الجنة. انظر: «جواهر الأفكار» (٣١٤ - ٣١٥).
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «فيه»!
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «متبع».
(٣) برقم (١٧١٨).
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «حتى يكون ذلك متابعًا».
(٥) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٢٩٩) رقم (٣٥٨٨)، والحاكم (٢/ ٥٢١ - ٥٢٢)، وأبو بكر البرقاني - كما في تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٣٠)، و «مسند الفاروق» (٢/ ٦٢٠ - ٦٢١) - وإسناده ضعيف لانقطاعه، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر، قاله الحاكم. فقول ابن كثير في «مسند الفاروق»: «إسناده جيد» ليس بجيد. وعزاه في «الدر المنثور» (٦/ ٣٤٢) لابن المنذر.

<<  <  ج: ص:  >  >>