للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال محمد تقي الدين الهلالي: شبه النبي الشرائع بالأمهات والدين بالأب، فالدين هو توحيد الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، والإيمان به وبجميع رسله وأنبيائه من آدم إلى محمد ، وإقامة العدل والإحسان، فهذه أصول الدين لا يختلف فيها الأنبياء والرسل، أما الشرائع والأحكام، فإن الشرائع مختلفة؛ لأن أزمنتهم مختلفة، وأحوال أهلها مختلفة، وقد شرع الله لكل واحد منهم شريعة تناسب زمانه وقومه، ثم ختم الرسل والأنبياء والشرائع ببعثة محمد ، فنسخت شريعته كل الشرائع المتقدمة؛ لأنها صالحة (١) لكل زمان ومكان ولكل قوم، وهي خالدة باقية إلى يوم القيامة.

قال المؤلف: قد نقلت في تفسير هذه الآيات ما جعلها واضحة للقراء وأزيد شيئًا من البيان تنبيهًا للمعاصرين فأقول: إن المسلمين قد أهملوا توحيد الله في أكثر أوطانهم، وانغمسوا في الشرك الأكبر، واستوى في ذلك عالمهم وجاهلهم إلا قليلًا ممن أخذ الله بيده، فلو أن عالمًا من علماء المسلمين نشأ في بلد إسلامي، وله أولاد علمهم القرآن، وعلمهم كتب العلوم الإسلامية على ما عليه العامة ممن يسمون بالعلماء، وعاش معهم زمنًا طويلًا يؤدون العبادات المفروضة ثم حضرته الوفاة، فجمع أولاده، وقال لهم: ما تعبدون من بعد موتي؟ لقال الناس: إنه أصيب بجنون، وأنه يهذي هذيان المحموم؛ لأنهم يزعمون أن من صلى وصام وحج وقرأ القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام وإن عبد غير الله تعالى بالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والتوكل والخوف والرجاء والحلف والذبح


= ابتدعوه لهم من الدين، ورتبوه لهم من المفتريات، ولما جاءهم الحق الذي لا مرية فيه وهو القرآن الكريم، أعرضوا عنه اتباعًا لقول أحبارهم ورهبانهم، كما أضل هؤلاء من سار سيرهم واتبع طريقتهم، فأعرض عن كتاب الله وسنة نبيه، وحرفه وبدله وساقه نحو هواه، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وتكرير هذه الآية يدل، والله أعلم، على أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن، لم يكن التكرار عبثًا فكأنه تعالى قال: ما هذا إلا شر، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين، لا يسوغ التقليد في هذا الجنس، فعليكم بترك الكلام على إبراهيم وما عطف عليه من تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه محمد ، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم بكل خير، ولا تسألون إلا عن عملكم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
(١) ومصلحة أيضًا، وعبارة (الإسلام مصلح لكل زمان ومكان) أوفى وأتم من (صالح)! فتأمل.

<<  <  ج: ص:  >  >>