للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي «النهاية» (١) لابن الأثير: أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة» (٢).


(١) انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ٢٩١ - علل).
(٢) انظر: «اللسان» (١١/ ٤٧٠ - علل).
(إفاضة وإضافة): أهمل المصنف - عفى الله عنا وعنه - تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وفي آخر آية ضمن الآيات التي فسرها، وظننت أنه أرجأ الكلام عليها في القسم الثالث من الكتاب الخاص بـ (توحيد الاتباع)، وأكثر فيه من الكلام على (التقليد) وانتزع ذمه من كثير من الآيات، ونذكر هنا ما استنبطه ابن بدران في «جواهر الأفكار» (ص ٣٥٥)، قال رحمه الله تعالى:
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم، وما عطف عليه، وبنوهم الموحدون. والمعنى: إن أحدًا لا ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم، وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، وقد شايعهم في هذه الأمة أناس اتكلوا على الأنساب، وعملوا بأكثر ما حرمه الكتاب، وأبناء العلماء تركوا العلم وادعوا أن ولد العالم لا يكون إلا عالمًا، كأنهم يقولون بالتناسخ، ويزعم بعضهم أن أرواح آبائهم تمدهم وتلهمهم العلم إلهامًا بدون تعلم، وما أقبح هذه الدعوى وما أفظعها.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على أن كسب كل واحد مختص به، ولا ينتفع به غيره، وهذا يدل على بطلان التقليد، كما قاله الرازي، إذ لو كان التقليد جائزًا لكان كسب المتبوع نافعًا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طالبًا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كان عليه إبراهيم، وما عطف عليه من الملة هو الحق، وفي الآية رد على اليهود لأنهم يقولون: بأن صلاح آبائهم ينفعهم، ويقولون: إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل».
وقال في تفسير الآية نفسها (ص ٣٦٥ - ٣٦٦) في الموطن لمكرر رقم (١٤١) من السورة نفسها:
ولما حاج تعالى اليهود والنصارى في هؤلاء الأنبياء عقب ذلك الحجاج بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
لتكون هذه الآية وعظًا لهم وزجرًا، حتى لا يتكلوا على فضل الآباء، فكل واحد يؤخذ بعمله، وإعلامًا لهم بأنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم، لاختلاف المصالح، لم يستنكر أن تختلف المصالح، فينقلكم محمد ، من ملة إلى ملة.
وتدل الآية على أن كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق، إن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم؛ لأنهم أصابوا أو أخطؤوا، لا يضر هؤلاء ولا ينفعهم، لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد.
وفي الآية زجر عظيم لمن جعل التقليد مذهبه، وسار مع قوله مقلده كيفما كان، ثم إن إتاه الحق وظهر له الدليل أعرض عنه جانبًا، وراغ عنه، وأخذ يؤوله حسبما يريد، ويختار له هواه، ويسلك مسالك أولئك المعاندين، الذين قلدوا أحبارهم ورهبانهم فيما

<<  <  ج: ص:  >  >>