قال محمد بن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال عبد بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ (١). وقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أي: لا نريد ما
(١) أخرجه ابن إسحاق في «السيرة» - كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٠٢) - ومن طريقه ابن جرير (٣/ ١٠١ - ١٠٢) رقم (٢٠٩٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٩٦) رقم (١٣٠٠) في «تفسيريهما» وإسناده ضعيف، فيه محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق. قاله الحافظ في «التقريب»، وقال عنه الذهبي في «الميزان» (٤/ ٢٦): «لا يعرف»، وضعفه ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ١٠٢)، وعزاه في «الدر المنثور» (١/ ٣٣٧) لابن المنذر. (ومضة): هذه الدعوى التي ادعاها أولئك لم تزل دعواهم إلى يومنا هذا، وإلى ما بعده، ولكن اليهود لما لم يكن لهم شوكة، وكانت عادتهم البخل والشح لم يظهروها، وأما النصارى فإنهم يجاهرون بها، ويرسلون المبشرين لأجلها إلى الأقطار ويصحبونهم بالأموال الطائلة، ويفتحون المدارس في بلاد المسلمين لاتساع تلك الدعوى وبثها، ويؤلفون الكتب في الرد على القرآن وتزييفه على زعمهم، وفي الرد على الدين الإسلامي، ويأخذون الخرافات التي حشاها جهلة المؤلفين في كتبهم، وينسبونها إلى الدين الإسلامي طعنًا فيه، ويأتون من حشو أدمغتهم بالخرافات التي ليست من دين الإسلام في شيء، فيقولون لهم: إن النصارى لم ترتق إلا بدينها، فلذلك عظمت دولهم، واهتدوا إلى الاختراعات العجيبة، وأما أنتم معاشر المسلمين، فإن دينكم هو الذي أخركم وجعلكم أحط الأمم قدرًا، وأعظمها فقرًا، فيروج ذلك على عباد الأوهام. وأما من يدخل مدارسهم فيكون على ثلاثة أقسام: قسم منهم وهو القليل يتمسك بدينه الإسلامي، لكنه يكون متهاونًا بالعبادات وبالتكاليف. وقسم منهم ينسلخ من الأديان كلها ويأخذ بالزندقة والإلحاد، ويعتقد أن الطبيعة هي الفعال المطلق، وأن لا إله في الوجود. وقسم يميل إلى النصرانية ميلًا لا اتباعًا، فيكون مذبذبًا بين النطق بكلمة التوحيد، وبين الزندقة والنصرانية. والذي نشهد الله عليه: أنه ما أضل مَنْ ضل إلا جهلة المؤلفين والمدرسين، وبعض أهل العلم الذين يلقون إلى العامة الخرافات التي لم يأت بها قرآن ولا صح منها شيء عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان، وإنما هي دسائس من الوثنيين والنصارى واليهود والزنادقة، وأهل التناسخ من القرامطة، ومن كان على شاكلتهم وخصوصًا القرامطة، فإنهم كانت لهم دولة، وكان لهم دعاة يلبسون دعوتهم لباس الفلسفة، ويبرزونها في صورة التصوف، ومن دعاتهم من كان واسع التخيل إما بطبعه، وإما باستعمال ما يعين على ذلك، كالحشيشة وأمثالها، فتجرؤوا على تفسير