دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: مستقيمًا، قاله محمد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية، وقاله خصيف (١) عن مجاهد ملخصًا) (٢).
قال محمد تقي الدين الحنيف هو الذي يؤمن بجميع الأنبياء والرسل، ويوحد الله تعالى ويتبرأ من الشرك والمشركين ويعاديهم في الله ويحاربهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، يدل على ذلك ما وصف الله به إبراهيم والذين معه في سورة الممتحنة، وفي خصامه مع أبيه في سورة مريم، وفي سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] أرشد الله عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء وأن لا يفرق بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. وقال البخاري بسنده إلى أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ:«لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ﴿قُولُوا آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية»(٣). «قال أبو العالية والربيع
= كتاب الله تعالى حتى أخرجوه عن موضوعه، وظهروا بمظهر الفقر والإرشاد، فراج مظهرهم على العوام، وعلى المغفلين من أهل العلم، فقلدوهم في ذلك وشرحوا أقوالهم، وزينوا بها مؤلفاتهم على زعمهم، وراموا اللحاق بمقامات زينها لهم الداعون، فماتوا ولم يصلوا إليها؛ لأنها خيال في خيال، لا حقيقة لها، حتى جرهم ذلك إلى القول بالاتحاد وطرح التكاليف الشرعية، وقالوا: إن العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة سقط عنه التكليف، وما التكليف إلا حجاب بين العبد وبين ربه، وأن الله سبحانه حال في الأشخاص كلها وفي جميع الموجدات، فأنت هو، وهو أنت، فمن المكلف؟ هل تكلف ذاته ذاته؟ وهذا هو مقام المعرفة عندهم. لهذا المذهب في زمننا رواج عظيم، حتى عند المغفلين من أعاظم العلماء، فإذا كان النصارى كفروا بالتثليث، فهؤلاء جعلوا آلهة لا يحصيها إلا الله تعالى هؤلاء أولى بأن يقال لهم: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قاله ابن بدران في «جواهر الأفكار» (٣٥٦ - ٣٥٧). (١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقال خصيف». (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٠٢). (٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٧٣٦٢).