والحكم، وهناك أمر آخر لم يذكر من قبل، وهو أن هداية القلوب ليست واجبة على النبي ﷺ ولا هي مقدورة له، قال تعالى في سورة القصص: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. فهداية النبي ﷺ للبشر، إنما هي تبليغه إياهم ما أمر بتبليغه قولًا وعملًا على أحسن وجه، وقد فعل ذلك، وبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الضلال المتصوفة يزعمون: أن الشيخ الكامل يتصرف في قلب مريده وينقله من الضلال إلى الهدى، وبنظرة واحدة ينظرها إليه يصير وليًا، وفي «جواهر المعاني» و «كتاب الرماح» زعموا: أن الشيخ التيجاني قال لهم: «قال لي سيد الوجود ﷺ: بعون ربي أكون معك يوم الاثنين ويوم الجمعة، فكل من رآك في هذين اليومين، وقال: أشهد بأني رأيتك، يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب»(١). فلم يقتصر على رؤية الشيخ للمريد وهدايته له بالنظر، حتى جعلوا كل من رأى الشيخ يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، ألم يعلموا أن أبا طالب عم النبي ﷺ كان يرى النبي ﷺ ويراه كل يوم لمدة طويلة، وكان النبي ﷺ حريصًا على هدايته وإنقاذه من النار ودعاه إلى الإسلام جهده فلم يستجب، ومات كافرًا، فحزن عليه النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، فقال النبي ﷺ:«لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»(٢)، فأنزل الله تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤].
(١) علق المصنف على هذا القول في كتابه الهدية الهادية (ص ٧٤) بقوله: «لا يستطيع أحد أن يعتقد هذا الخبر إلا إذا تجرد من العقل والدين والمروءة … ». (٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٣)، والبخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).