لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] وفي «الصحيح»(١) أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وركبريائه وعظمته وعلوه وقدرته (٢) الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في جميع [أفعاله](٣) ﴿الْخَبِيرُ﴾ [بمواضيع (٤) الأشياء ومحالها فلا يعطي إلا من يستحق] (٥) ثم قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ أي: من أعظم الأشياء شهادة؟ ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] قال ابن [أبي](٦) حاتم وذكر سنده إلى محمد بن كعب في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: «من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ، زاد أبو خالد: وكلمه»(٧)، وقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أن رسول الله ﷺ قال: «بلغوا عن الله، فمن بلغه آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله»(٨). وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله ﷺ أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن ينذر بالذي أنذر (٩)، وقوله: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً
(١) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (١٣٧)، وأبو داود (١٥٠٥)، وغيرهم من حديث المغيرة بن شعبة. (٢) بعدها في الأصل: «على» وهي غير موجودة في مطبوع «تفسير ابن كثير». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ما يفعله». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بمواضع». (٥) في مطبوع تفسير ابن كثير: «لمن يستحق، ولا يمنع إلا من يستحق». (٦) سقطت من الأصل! (٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧١٦٥)، وابن جرير (١١/ ١٣١٢٠) في «تفسيريهما». (٨) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٠٥) ومن طريقه ابن جرير (١١/ ١٣١١٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧١٦٦) جميعهم في «التفسير»، من مرسل قتادة، فهو ضعيف، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٣/ ١٣) إلى عبد بن حميد. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤/ ٧١٦٧).