ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته، أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم (١)، فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي (٢):
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد (٣)
وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضًا؛ لما ثبت في صحيح البخاري (٤)، أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن علي:«إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فسماه ابنًا، فدل على دخوله في الأبناء، وقال آخرون: هذا تجوز، وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم وذوي طبقتهم، وإن الهداية والاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إنما حصل لهم ذلك (٥) بتوفيق الله وهدايته إياهم: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وكقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] وكقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤](٦)
(١) انظر: «التهذيب في الفرائض» للكلوذاني (٢٨٦، ٢٨٨، ٢٩٠)، «جلاء الأفهام» لابن القيم (ص ٣٨٦ - ٣٨٧ - بتحقيقي)، ولبعضهم رسائل مفردة في ذلك، انظر: «معجم المصنفات المطروقة» (٢/ ١٣٥٤). (٢) هو الفرزدق، والبيت في «ديوانه» (٢١٧). (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الأجانب». (٤) أخرجه البخاري (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة. (٥) من مطبوع «تفسير ابن كثير» وسقطت من الأصل. (٦) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ١٠٦ - ١٠٩).