للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في «الصحيح» (١) أن رسول الله قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس». وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيقول الله ﷿[له]: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول له: يا ابن آدم! أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدَّم شيئًا. وتلا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ رواه ابن أبي حاتم (٢)، وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب، وانزاح الضلال وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب على رؤوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢ و ٧٤] ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٣] ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: في العبادة، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم، ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع (٣) أي: شملكم، وبالنصب (٤)، أي: لقد تقطع (٥) ما بينكم من الأسباب والصلات (٦) والوسائل، ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي: ذهب عنكم ﴿مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من نفع (٧).


(١) أخرجه مسلم (٢٩٥٩) من حديث عبد الله بن الشخير.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤/ ٧٦٤١) معلقًا، وزاد نسبته السيوطي في «الدر» (٣/ ٦٠) إلى عبد بن حميد.
(٣) قراءة الرفع هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر. انظر: «المحتسب» (٢/ ١٩٠)، «البحر المحيط» (٦/ ١٦٣)، «الكشاف» (٢/ ٢٧١)، «التذكرة في القراءات الثمان» (٣٢٩).
(٤) في مطبوع تفسير ابن كثير: «وقرئ بالنصب قلت: وقراءة النصب هي قراءة الكافة. انظر: «النشر» (٢/ ٢٦٠)، «السبعة» (٢٦٣)، «روح المعاني» (٧/ ٢٢٥).
(٥) في مطبوع تفسير ابن كثير»: «انقطع».
(٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «والوصلات».
(٧) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «رجاء».

<<  <  ج: ص:  >  >>