وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: «من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله». أخرجاه (١)(٢)، وعن عائشة ﵂:«أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا عليه أنتم وكلوا»، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري (٣)، ووجه الدلالة، أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح، إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد.
والمذهب الثاني في المسألة: إنه لا يشترط التسمية بل هي مستحبة؛ فإن تركها عمدًا أو نسيانًا لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵀ وجميع أصحابه ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب (٤) وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال ابن جريج عن عطاء: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي [طرده](٥) الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله، ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم فيه (٦) عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية (٧) بطل ما قال من أصله والله أعلم.
(١) يعني البخاري ومسلم (منه). (٢) أخرجه البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠). (٣) أخرجه البخاري (٢٠٥٧)، وأبو داود (٢٨٢٩) وغيرهما. (٤) انظر في المسألة: «المغني» (٨/ ٥٣٩)، و «تفسير القرطبي» (٧/ ٧٥). (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «طرقه». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «منه». (٧) بعدها في مطبوع تفسير ابن كثير: «صحيحة على ما قال؛ امتنع عطف هذه عليها فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية».