وَقَوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانًا، أي أن تحسنوا إليهما (١) كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقرأ بعضهم (٢): ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، أي: أن تحسنوا إليهما (٣) والله تعالى كثيرًا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥]، فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] الآية، والآيات كثيرة، وفي الصحيحين (٤) عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال:«الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال:«بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال:«الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ، ولو استزدته لزادني». وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، بسنده عن أبي الدرداء، وعن عبادة بن الصامت كل منهما يقول: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ: «أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل (٥). ولكن في إسناديهما ضعف» (٦).
قال محمد تقي الدين: إن صحت هذه العبارة عن النبي ﷺ فالمراد بها لو ملكت ما ملكت من متاع الدنيا، وأراد منك الوالدن أن تعطيهما إياه، فافعل، وإن كان الحديث غير صحيح ولا حسن فلا يثبت به حكم. اهـ.
قال (ك): ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد (٧) عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «إليهم». (٢) أخرجه سعيد بن منصور بإسناد جيد عن ابن عباس قاله ابن حجر في «الفتح» (٨/ ٢٨٣، ٢٩٥). وانظر - لزامًا -: «البحر المحيط» (٦/ ٢٥)، «معجم القراءات» (٥/ ٣٧ - ٣٨). (٣) في مطبوع تفسير ابن كثير: «أي: أحسنوا إليهم». (٤) أخرجه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥). (٥) هو قطعة من وصية للنبي ﷺ سبق منها قريبًا عدم الإشراك بالله، وإن قطع المسلم أو صلب أو حرق، وهناك تخريج حديثي أبي الدرداء وعبادة ﵂، وهو صحيح بشواهده. (٦) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٦ - ٢١٠). (٧) في مطبوع تفسير ابن كثير: «ببر الآباء والأجداد».