عبد العزيز وأهل نجد الذين كان بالأمس يكفرهم، وفي يوم من الأيام جاء الملك عبد العزيز رحمة الله عليه إلى المسجد الحرام فوجد الشيخ حبيب الله والسيد أحمد السنوسي يملآن الأثر المسمى بموضع قدم إبراهيم بماء زمزم ويكرعان فيه بأفواههما كالبهائم، فوبخهما وقال لهما: إذا كنتما تفعلان هذا وأنتما بزعمكما من العلماء فماذا تركتما للجهال، وحدث أنه كان ذات ليلة في مجلس الملك عبد العزيز آل سعود وكان الملك يتكلم في التوحيد، فعارضه فغضب عليه الملك عبد العزيز غضبًا شديدًا، فظن أن حتفه قد دنا، فتقدم إلى الملك وألقى نفسه بين يديه وأظهر التوبة والرجوع عما قاله، وإنما فعل ذلك خوفًا أن يبطش به، ولم يكن الملك عبد العزيز الله سريعًا إلى البطش، بل كان إذا غضب يقتصر على الكلام ولا يتجاوزه، وعلى إثر ذلك أخذ زوجته إلى المدينة وتركها في بيت أخيه الشيخ محمد الخضر وهرب إلى مصر، وكانت العلاقات بين مصر والمملكة السعودية في ذلك الزمان سيئة جدًا، بسبب المحمل الذي كانت تبعثه الحكومة المصرية إلى مكة في كل سنة، وهو شيء كالهودج يطاف به في القاهرة ثلاثة أيام يتمسح الناس به ويتبركون به، ثم يبعث مع الوفد المصري إلى مكة، فيتمسح به الجهال أيضًا في جدة، وفي الطريق إلى مكة، فأمر الملك عبد العزيز الله بالمنع من التمسح به والإتيان به إلى مكة، وأمر أن يترك في جدة، وبعد الحج يرجع به الوفد إلى مصر، فرأى الوفد المصري أن ذلك إهانة له، وكانت كسوة الكعبة المشرفة يؤتى بها من مصر يحملها الوفد المصري كل سنة إلى مكة. فلما ساءت العلاقة بين المملكتين استغنى الملك عبد العزيز عن كسوة الكعبة التي كان يؤتى بها من مصر، وطلب الصناع من الهند وأسس دارًا بمكة لصنع الكسوة، فاغتنم الشيخ حبيب الله هذا الخلاف والتجأ إلى حكام مصر، وشكي لهم ما أصابه من السعوديين، والحقيقة أنه لم يصبه شيء، فرحبوا به وجعلوه مدرسًا في الأزهر، وفي سنة ١٣٤٥ توجهت من العراق إلى الحج بصحبة الشيخ مصطفى آل إبراهيم ومررنا بالقاهرة، وكان الشيخ حبيب الله مستقرًا بها، فعلمت أن شخصًا قال له: هل تعرف الهلالي، فقال: نعم أعرفه فقال له: أهو من أهل العلم فقال له: لا يصلح أن يكون جليسًا لأهل العلم، فكيف يكون من أهل العلم؟ فكتبت كتابًا إليه قلت له فيه: بلغني أنك قلت: كيت وكيت وقد ناظرتك في مدرستك سنة ١٣٤١ هـ من الظهر إلى العصر كنت تناضل عن عقيدة أسلافك الأرذلين كالجهم بن صفوان والجعد بن درهم، وكنت أناضل عن عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، فما وجدت في بحمد الله ضعفًا ولا ونى، وأنشدته في ذلك الكتاب أبياتًا أذكر منها قول الشاعر: لقد زادني حبًا لنفسي أنني … بغيض إلى كل امرئ غير طائل وإني شقي باللئام ولا ترى … شقيًا بهم إلا كريم الشمائل وقول المتنبي أيضًا: ويظهر الجهل بي وأعرافه … والدر در برغم من جهله