وكان عنده رجل أشيب فلما سمع كلامي ظهرت عليه أمارات الحزن، وقال لي: هذا الذي تقوله تعلمته في الشرق أم في الغرب؟ فقلت له: بل في المغرب. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وصل هذا البلاء إلى المغرب - يعني بالبلاء: توحيد الله تعالى واتباع سنة رسوله ﷺ، وأخبرني الشيخ حبيب الله أن ذلك الشيخ كان شنقيطيًا كنتيًا نسبة إلى (كنته) وهي قبيلة معروفة في شنقيط، فقال الشيخ حبيب الله: وأنت وهابي وأنتم معشر الوهابية عندي ثلاثة أصناف وهابية نجد ووهابية مصر والشام، وأنت منهم ووهابية الهند، فأما وهابية نجد فإنهم كفار بيننا وبينهم ما بين اليهود والنصارى والمسلمين، هم اليهود والنصارى ونحن المسلمون، وأما وهابية مصر والشام فهم ضلال، وأما وهابية الهند فهم مخطئون، فقلت له: اشرح لي ما ذكرته وبين لي سبب هذه التفرقة؟ فقال لي: أما وهابية نجد فهم عندي كفار؛ لأنهم يقولون: إن ربهم في السماء، وأما وهابية مصر والشام فهم ضلال؛ لأنهم يدعون الاجتهاد، وادعاء الاجتهاد ضلال ولا يبلغ إلى حد الكفر، وأنا بنفسي لا أقول بالتقليد المحض، بل أقول بمنزلة بين منزلتين، ثم سرد علي أبياتًا من أرجوزة له لا أحفظ منها إلا شطرًا واحدًا، وهو قوله: (وإنما أقول بالتبصر). فقلت له: هذا التفصيل فيه نظر؛ لأن جميع السلفيين في نجد وفي مصر والشام وفي المغرب وفي الهند يقولون ويعتقدون أن الله في السماء مستو على عرشه بدون تشبيه ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، وأدلة هذا لا تخفى عليك، وأما ما سميته بالاجتهاد فنحن نسميه الاتباع، والأصناف الثلاثة أيضًا متفقون عليه، إلا أن أهل نجد ينتسبون إلى المذهب الحنبلي في الفروع ونحن لا ننتسب إليه إلا في الأصول، ثم قلت له: ولماذا خففت الحكم على أهل الهند؟ فلم تجعلهم كفارًا ولا ضلالًا بل جعلتهم مخطئين فقط، فقال لي: لأنهم يزورون قبر النبي ﷺ فليس عندهم مما ينتقد إلا مسألة الاجتهاد، فقلت له: فعلام ضللتنا نحن بالاجتهاد وغفرته لهم، فقال: قلت لك: إنهم يزورون قبر النبي ﷺ فقلت له: ماذا تعني بزيارة القبر أتقصد السلام على النبي ﷺ في مسجده أم أمام حجرته أم تقصد شد الرحال؟ فقال: أقصد ذلك كله، فقلت له: إن السلفيين في الهند لا يقولون بجواز شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، فظهر تناقضه، ولم أكن أعلم سبب ذلك التناقض حينئذ غير أني عرفته فيما بعد، وذلك أن الشيخ عبد الوهاب الدهلوي التاجر العالم كان بمكة وكان تلميذًا له يدرس عليه بعض فروع العلم وكان يحسن إليه، فلذلك خفف الحكم على السلفيين من أهل الهند وكان يتبع هواه والهوى يعمي ويصم». قال: «ولما استتيب الأندونوسيون وكان هذا الرجل من الذين استتابوهم اختفيت أنا ثمانية أيام في مكة عند بعض المغاربة وكنت أبعثه كل يوم إلى المسجد الحرام، ليتحسس هل هناك أحد يبحث فلم يجد لذلك أثرًا فخرجت من مختبئي، وهذه حسنة أعدها له، إذ لم يسع في استتابتي، وسوف يرتكب سيئة تمحو هذه الحسنة». ثم قال تحت عنوان (مداهنته لمن يسميهم بالوهابية) ما نصه: لما استولى الملك عبد العزيز على الحجاز بعد هذا التاريخ بقليل، أخذ يداهن الملك