فأما أن يقال (١): ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده، كما لا يقال: جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع (٢).
وأيضًا ففي كتاب «حبقوق»(٣) بيان ما قلنا، وهو تجلي (٤) الله من طور سيناء القدس (٥) من جبل فاران لو انكشفت (٦) السماء من بهاء محمد، وامتلأت الأرض من حمده، يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه، تسير المنايا أمامه، ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القويمة (٧)، واتضعت الروابي الدهرية، وتزعزعت ستور أهل مدين، ركبت الخيول وعلوت مراكب الانقياد والغوث، وستنزع في قسيك إغراقًا
(١) سقط من مطبوع «التفسير الكبير». (٢) لا يمكن أحدًا أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي. فعلم أنه ليس بالمراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد ﷺ وهو - سبحانه - ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة، ثم الإنجيل، ثم القرآن، وهذه الكتب نور الله وهداه. وقال في الأول: «جاء أو ظهر»، وفي الثاني: «أشرق»، وفي الثالث: «استعلن». وكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر، أو ما هو أظهر من ذلك، ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس، زاد به النور والهدى، وأما نزول القرآن فهو بمنزلة ظهور الشمس في السماء، ولهذا قال: «واستعلن من جبال فاران؛ فإن النبي ﷺ، ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها، أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين، كما يظهر نور الشمس إذا استعلت في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا سماه الله سراجًا منيرًا، وسمى الشمس سراجًا وهاجًا. والخلق يحتاجون إلى السراج المنير، أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج؛ فإن الوهاج يحتاجون إليه في وقت دون وقت، وكما قيل: قد يَنْضَرّون به بعض الأوقات .. وأما السراج المنير فيحتاجون إليه كل وقت وفي كل مكان ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح» (٥/ ٢٠٢ - ٢٠٣). وذكر هذه النبوءة للسموأل بن يهوذا في كتابه «بذل المجهود في إقناع اليهود»، ونقلها عنه ابن بدران في ج «واهر الأفكار» (١٨٩ - ١٩٢). (٣) انظر (سفر حبقوق) من (الإصحاح الثالث) (٣) - (٧)، العدد القديم (١٠٤٦). (٤) في مطبوع «التفسير الكبير»: «جاء». (٥) في مطبوع «التفسير الكبير»: «والقدس». (٦) في مطبوع «التفسير الكبير»: «وانكشفت». (٧) في مطبوع «التفسير الكبير»: «القديمة».