للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مِنَ الفَرِيقِ المَغْلُوبِ عَمَلًا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَلَا يُظَاهِرُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ المِلَّةِ الوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ الوَاحِدَةِ كَمَا قَالَ : «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ» (١).

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] أَيْ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِمَعْرِفَةِ هَذَا المِيثَاقِ وَصِحَّتِهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِهِ ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥]، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآيَةَ، قَالَ: «أَنْبَأَهُمُ (٣) اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا افْتِدَاءَ (٤) أُسَرَاهُمْ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ: طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَهُمْ حُلَفَاءُ الخَزْرَجِ، وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ وَهُمْ حُلَفَاءُ الأَوْسِ. فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الأَوْسِ، يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِمْ، حَتَّى تَسَافَكُوا (٥) دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبِأَيْدِيهِمُ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالأَوْسُ وَالخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ وَلَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً وَلَا كِتَابًا وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وُضِعَتِ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدَوْا أُسَرَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَخْذًا بِهِ (٦) يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَا كَانَ مِنْ أُسَرَاهُمْ فِي أَيْدِي الأَوْسِ، وَيَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الخَزْرَجِ مِنْهُمْ، وَيَطْلُبُونَ (٧) مَا أَصَابُوا مِنْ


(١) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَقْمُ (٢٥٨٦) مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ.
(٢) فِي الأَصْلِ: «وَعِكْرِمَةُ» وَالمُثْبَتُ مِنْ مَصَادِرِ التَّخْرِيجِ.
(٣) فِي مَطْبُوعِ «تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ»: «أَنَّهُمْ».
(٤) فِي مَطْبُوعِ «تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ»: «فِدَاءً».
(٥) فِي مَطْبُوعِ «تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ»: «يَتَسَافَكُوا».
(٦) بَعْدَهَا فِي مَطْبُوعِ «تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ»: «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ».
(٧) فِي مَطْبُوعِ «تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ»: «وَيُطِلُّونَ».

<<  <  ج: ص:  >  >>